محمد حسين علي الصغير

76

الصوت اللغوى في القرآن

« إن من أهم خصائص العربية ثبات أصوات الحروف فيها ، لأن جوهر الصوت العربي بقي واضحا ، وهو ما يتمثل في قراءة القرآن الكريم وإخراج الحروف الصامتة إخراجا يكاد يكون واحدا » « 1 » . لأن اللغة العربية تستمد أصولها من القرآن ، بل تبقى أصولها ثابتة في القرآن ، وأولويات هذه الأصول هي الأصوات لأن الأصوات أصل اللغات . ولا غرابة بعد هذا أن يكون استقراء ملامح الظاهرة الصوتية في التراث العربي الإسلامي يوصلنا إلى أن القرآن الكريم هو المنطلق الأساس فيها ، وأنه قد نبه بتأكيد بالغ على مهمة الصوت اللغوي في إثارة الإحساس الوجداني عند العرب ، وإيقاظ الضمائر الإنسانية للتوجه نحوه لدى استعماله الحروف الهجائية المقطعة في جمهرة من فواتح السور القرآنية ، وفي أسرار فواصل الآيات ، وفي قيم الأداء القرآني ، وفي الدلالة الصوتية للألفاظ في القرآن ، وهو ما خصصت له هذه الرسالة فصولا مستقلة ، شكلت المادة الأولية للبنات الموضوع ، ونهضت بمفصّل حيثيات الصوت اللغوي في القرآن . ولا بد من الإشارة هنا إلى أن البداية في اعتماد الصوت اللغوي في القرآن ضمن الدراسات العربية قد جاء ضمن مجموعتين دراستين هما : الدراسات القرآنية والدراسات البلاغية ، ولا بد من الإشارة قبل ذلك إلى تردد جهود بعض الفلاسفة الموسوعيين لمجمل حياة الأصوات تمهيدا لخوضها في القرآن . فهذا ابن سينا ( ت : 428 ه - ) يضع رسالة متخصصة نادرة في الأصوات أسماها ( أسباب حدوث الحروف ) « 2 » . وقد كان متمرسا فيها للإشارات الصوتية وتمييزها في الأسماع ، وتحدث عن مخارج الأصوات وغضاريف الحنجرة ، وعرض للفم واللسان تشريحيا وطبيا وتركيبيا ، وعني عناية خاصة بترتيب مخارج الصوت العربي مقارنا باللغات الأخرى بحسب تركيب أجهزة الصوت الإنساني ، وبحث مميزات الحرف العربي صوتيا ،

--> ( 1 ) أحمد مطلوب ، بحوث لغوية : 27 . ( 2 ) طبعت في القاهرة ، 1332 ه - 1352 ه .